المقريزي

212

إمتاع الأسماع

إسلام أخيها عمر رضي الله عنه ، ولها في إسلامه قصة حسنة ( 1 ) .

--> ( 1 ) لما كانت فاطمة بنت الخطاب بن نفيل القرشية من فواضل نساء عصرها ، كانت ذا إيمان قوي بالله وبالاسلام ، وأسلمت قديما ، فكانت من المبايعات الأول ، وكانت تخفي إسلامها من أخيها عمر ، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن . فخرج عمر بن الخطاب ذات يوم متقلدا بسيفه ، يريد أن يقتل محمدا صلى الله عليه وسلم ، فلقيه رجل من بني زهرة فقال : أين تعمد يا عمر ؟ قال : أريد أن أقتل محمدا ، قال : وكيف نأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا ؟ قال : ما أراك إلا قد صبوت . قال : أفلا أدلك على العجب ؟ إن ختنك سعيد ابن زيد ، وأختك فاطمة قد صبوا ، وتركا دينك . فمشى عمر فأتاهما ، وعندهما خباب بن الأرت فلما سمع خباب بحس عمر توارى في البيت ، فدخل عمر ، فقال : ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ وكانت فاطمة قد أخذت صحيفة من القرآن فجعلتها تحت فخذها ، فقالا له : ما سمعت شيئا ، قال : بلى ، والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا في دينه ، وبطش بختنه سعيد . فقامت إليه فاطمة لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم ، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك . فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع ، فارعوى وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا ، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ، فقالت له أخته : إنا نخشاك عليها . قال : لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها . فلما قال ذلك طمعت في إسلامه ، فقالت له : يا أخي ، إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسها إلا الطاهر ، فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة وفيها : ( طه ) ، فقرأها ، فلما قرأ منها صدرا قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! . فلما سمع خباب ذلك . خرج إليه فقال له : يا عمر ، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ، فإني سمعته أمس وهو يقول : اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام ، أو بعمر بن الخطاب ، فالله الله يا عمر . فقال له عمر عند ذلك : فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه . فأخذ عمر سيفه فتوشحه ، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب ، فرآه متوشحا السيف ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال : يا رسول الله ، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف . فقال حمزة بن عبد المطلب : فأذن له ، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له ، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له ، فأذن له الرجل ، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لقيه بالحجرة ، فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ، ثم جبذه جبذة شديدة وقال : ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة . فقال عمر : يا رسول الله ، جئتك لأؤمن بالله وبرسوله ، وما جاء من عند الله ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم ، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم ، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينتصفون بهما من عدوهم . ( أعلام النساء ) : 4 / 50 - 52 ، ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 92 ، 187 - 188 ، ( طبقات ابن سعد ) : 8 / 95 ، ( الإصابة ) : 8 62 - 63 ، ترجمة رقم ( 11590 ) ، ( الإستيعاب ) : 4 / 1892 ، ترجمة رقم ( 4056 ) ، ( المستدرك ) : 4 / 65 - 66 .